ابن عربي
174
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
الشمال فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا ، وقال آخرون : كنا على الطريق حيث هاجت الريح فننيخ ، فأناخوا وأصبحوا فذهب الريح ، فتبين الطريق ، فهؤلاء الجماعة قالوا نلزم ما فارقنا عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى نلقاه ، ولا ندخل في شيء من الفتن . قال ميمون بن مهران : فصار الجماعة والفئة التي يدعى فيها الإسلام ما كان عليه سعد بن أبي وقاص وأصحابه الذين اعتزلوا الفتن ، حتى أذهب اللّه عز وجل الفرقة ، وجمع الألفة ، فدخلوا الجماعة ، ولزموا الطاعة ، وانقادوا ، فمن فعل ذلك ولزمه نجا ، ومن لم يلزمه وقع في المهالك . وحدثنا يونس بن يحيى الهاشمي ، عن أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان المعروف بابن البطن ، عن أبي الفضل أحمد بن خيرون ، عن أبي علي الحسن بن إبراهيم بن شادان ، عن الحسن أحمد بن إسحاق ، عن أبي عبد اللّه أحمد بن محمد ، عن عمّار بن عبد اللّه المصيصي ، عن مخلد بن الحسين ، عن واصل ، ذكر أنه أسر غلام من بطاركة الروم ، وكان غلاما جميلا ، فلما صار إلى دار الإسلام ، وقع إلى الخليفة ، وذلك في خلافة بني أمية ، فسمّاه بشيرا ، وأمر به إلى الكتّاب ، فكتب ، وقرأ القرآن ، وطلب الأحاديث ، وروى الشعر ، فلما بلغ أتاه الشيطان فوسوس له ، وذكّره النصرانية دين آبائه ، فهرب مرتدا من دار الإسلام إلى أرض الروم الذي سبق له في أم الكتاب به ، فأتى به إلى الطاغية ، فسأله عن حاله ، وما الذي دعاه إلى الدخول في دين النصرانية ؟ فأخبره برغبته فيه ، فعظم في عين الملك ورأسه ، وصيّره بطريركا من بطاركته ، وأقطعه قرى كثيرة ، فهي اليوم تعرف به ، يقال لها : قرى بشير . وكان من قضاء اللّه وقدره أنه أسر ثلاثين أسيرا من المسلمين ، فأدخلوا على بشير ، فسألهم رجلا رجلا عن دينهم ، وكان فيهم شيخ من أهل دمشق يقال له واصل ، فسأله بشير ، فأبى الشيخ أن يرد عليه شيئا ، فقال له بشير : ما لك لا تجيبني ؟ قال : لست أجيبك اليوم بشيء ، فقال بشير للشيخ : إني سائلك غدا ، فأعدّ لي جوابا ، وأمره بالانصراف . فلما كان الغد بعث إليه بشير ، فأدخل عليه الشيخ ، فقال بشير : الحمد للّه الذي كان قبل أن يكون شيء من خلقه ، وخلق سبع سماوات طباقا بلا عون كان معه من خلقه ، ودحى سبع أرضين بلا عون كان معه من خلقه ، فعجب لكم يا معاشر العرب حين تقولون : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . فسكت الشيخ ، فقال : ما لك لا تجيبني ؟ قال : كيف أجيبك وأنا أسير في يديك ؟ فإن أجبتك بما تهوى أسخطت عليّ ربي ، وأهلكت عليّ ديني ، وإن أجبتك بما لا تهوى أهلكت نفسي ، فأعطني عهد اللّه وميثاقه ، وما أخذ اللّه عز وجل على النبيين ، وما أخذ